محمد ابو زهره
689
خاتم النبيين ( ص )
اللقاء 462 - أقبلت قريش ومن معها من كنانة وتهامة والأحباش وكانوا في عدد كبير بلغ آلافا منهم وممن معهم ونزلوا في أسيال رومة بين مكانين أحدهما اسمه الجرف ، والآخر اسمه زغابة ، وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد ، ونزلوا عند أحد . وكان عدد قريش أربعة آلاف ، وعدد من معهم ستة آلاف ، وكانت لهم قيادات مختلفة ، فكان يقود قريشا أبو سفيان بن حرب ، وكانت غطفان بقيادة عيينة بن حصن وكان ثمة قواد يقودون أعدادا ليست بالكبيرة نسبيا ، فكانت أشجع بقيادة مسعود ابن رخيلة وعددهم أربعمائة ، وكانت سليم يقودهم سفيان بن عبد شمس ، وعددهم سبعمائة . لم تكن لهؤلاء قيادة موحدة ترسم الخطة ، ويتبعها الجميع ، وإن جعل كل قيادة علي قومها يتولي القوم رجل منهم ، وقد يكون ذلك مفيدا في ذاته ، ولكن يجب أن تكون ثمة قيادة عامة ترسم للجميع . ومهما يكن فهم لم يختلفوا لأنهم جاؤوا إلي المدينة ، فلم يجدوا ما يمكنهم من الهجوم جميعا أو متفرقين ، وما كان سبب الهزيمة التي منوا بها بنصر اللّه للمؤمنين بالريح والرعب . ولقد جاؤوا إلي المدينة يحسبون أنهم يغيرون عليها ، وليفرقوا أو يقضوا عليهم ويسبوا نساءها ، لقد جاؤوا بعد ما تم حفر الخندق . فوجئوا بأنهم لا قبل لهم بأن يدخلوا المدينة ، فوجئوا بالخندق يحول بينهم وبين أن يقتحموا جند المؤمنين ، ولم يكن لهم عهد بمثله ، ورأوا كيدا لم يكن بتدبير عربي ، بل بعقل آخر ، وبذلك لم يروا أن مهمة القضاء علي محمد وأصحابه سهلة ، إنها تحتاج إلي تدبير آخر غير ما دبروا ، وأن يدخلوا إلي المدينة من غير هذا المكان . فإنه لا يمكن أن يدخل منه جند كثيف كعددهم . عندئذ تحرك حيي بن أخطب الذي جمع متفرقهم ، وإن لم يكونوا مندمجين موحدين في قيادتهم ، وإنه إذا نجح في تحريضهم ، لا يمكن أن يتخاذل عن أن يضم إليهم بني قريظة ، وقد كانوا يتمنون الغوائل للمؤمنين . ويريدون الوبال لهم ، وربما كان لهم سعي في الحركة ، وإن لم يكن ظاهرا ، تسلل إليهم حيي ليكونوا وراء المؤمنين ، وقد يحيط الجميع بهم ، وليجدوا منفذا إلي المدينة عن طريقهم ، ويعملوا معهم ، ويكون المشركون من فوقهم ، وبنو قريظة من أسفلهم . لم يكن بنو قريظة ممن يغامرون وكانوا حريصين علي الحياة كشأن اليهود كما قال تعالى فيهم « وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ » ( البقرة - 96 ) . دخل حيي بن أخطب علي كبيرهم كعب بن أسد القرظي ، الذي وادع رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم علي قومه وعاهده ، وقد رده ابتداء ردا عنيفا ، وقال له : إنك امرؤ مشئوم ، وإني قد عاهدت محمدا ، فلست بناقض ما بيني وبينه ، ولم أر منه إلا وفاء وصدقا ، وبعد أن عرض بشجاعته ، فتح له الباب .